اسمٌ يملأ القلب رهبةً وخشية، ويمنح الروح طمأنينة ويقيناً. "البصير" هو الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى خفقات قلبك قبل أن تشعر بها، ويبصر دمعتك قبل أن تنزل، وينظر إلى نيتك قبل أن تتحرك.
ما أعمق معاني "البصير"!
"البصير" من البصر، وهو:
· الذي يبصر كل شيء: صغيره وكبيره، دقيقه وجليله.
· الذي يرى الظواهر والبواطن: ما تخفيه القلوب وما تعلنه الجوارح.
· الذي لا تحجبه الظلمة: يرى في الليل كما يرى في النهار.
· الذي يبصر مستقبل الأحداث: قبل أن تقع.
بصير لا كبصر البشر
بصر البشر: محدود، يحتاج إلى نور، يعجز عن رؤية التفاصيل الدقيقة، لا يرى ما وراء الحجب.
بصر الله: مطلق، يرى بلا عين ولا نور، لا تحجبه حجب، يرى كل شيء دفعة واحدة.
الفرق بين "السميع" و"البصير"
السميع: يسمع أصوات الخلائق كلها بلا اختلاط.
البصير: يبصر حركات العباد كلها بلا ازدحام.
السميع: يعلم ما في القلوب من همسات.
البصير: يعلم ما في القلوب من خفايا.
أنواع ما يراه "البصير"
يرى عجائب خلقه:
· يرى الجنين يتشكل في بطن أمه.
· يرى النبتة تشق الأرض وتخرج.
· يرى البذرة تنمو في ظلمة التربة.
· يرى الذرة تدور في مدارها.
يرى دقائق الكون:
· يرى قطرة المطر تسقط على رملة معينة.
· يرى نفساً يخرج من جسد في مكان بعيد.
· يرى ورقة تسقط من شجرة في غابة.
· يرى شعاع نور ينطلق من نجم بعيد.
يرى خفايا القلوب:
· يرى نيتك قبل عملك.
· يرى صدقك قبل كلامك.
· يرى حبك لله قبل أن تظهره.
· يرى خوفك من الذنب قبل أن تتركه.
"البصير" في القرآن
· "إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ" (النساء: 58) – وردت 15 مرة.
· "وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (الحشر: 18)
· "أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى" (العلق: 14)
قصص من بصر "البصير"
يوسف عليه السلام:
رآه الله في قاع الجب وهو يبكي، وسمعه وهو ينادي، ورآه في بيت العبد وهو صابر، فأخرجه وأعزه.
أيوب عليه السلام:
رآه الله على الرماد وهو مريض، وسمع دعاءه وهو صابر، فألبسه ثوب الصحة والعافية.
مريم عليها السلام:
رآها الله في المحراب وهي تخدم، ورآها وهي تختبئ وتلد، فأظهر براءتها على لسان طفلها.
النبي صلى الله عليه وسلم:
رآه الله في الطائف وهو مجروح، وسمع دعاءه وهو مكسور، فأعزه ونصره وفتح له مكة.
كيف نتعامل مع "البصير"؟
نستحي منه في كل أحوالنا:
فلا نذنب وهو يرانا، ولا نتهاون وهو يبصرنا.
نوقن بأنه يرانا ولا يرانا الناس:
فنخلص العمل له وحده.
نخاف من نظره إلينا حين نعصيه:
"ألم يعلم بأن الله يرى".
نفرح بأنه يبصر جهادنا وصبرنا:
وسيجازينا على كل شيء.
البصير والتوبة
عندما تتوب:
· "البصير" يرى دموع ندمك.
· يرى انكسار قلبك بين يديه.
· يرى صدق توبتك قبل أن تستغفر.
· يرى عزمك على عدم العودة.
البصير والابتلاء
في ابتلائك:
· "البصير" يرى صبرك.
· يرى احتسابك للأجر.
· يرى دموعك التي تخفيها عن الناس.
· سيجزيك عليها إذا استمريت.
البصير والظلم
عندما يظلمك ظالم:
· "البصير" رأى ظلمه لك.
· سجل كل كلمة قالها في حقك.
· أحصى كل دمعة سالت من عينك.
· سينتقم لك في الوقت المناسب.
لماذا نحتاج "البصير"؟
· لأننا نحتاج إلى من يرانا ويحفظنا.
· لأننا نحتاج إلى من يبصر خفايا قلوبنا.
· لأننا نعلم أن أعمالنا محصاة عنده.
· لأننا نريد أن نطمئن أن عدله سيأتي.
البصير والعمل الصالح
اعلم أن "البصير":
· يرى كل حبة تصدقت بها.
· يرى كل خطوة مشيتها إلى المسجد.
· يرى كل دمعة ذرفت من خشيته.
· يرى كل نظرة غضضتها عن الحرام.
خاتمة: أنت مرئي عند البصير
يا من تعمل في الخفاء:
"البصير" يراك.
يا من تخشى الله في السر:
"البصير" سيكافئك.
يا من يظلمك الناس ولا يرون ظلمك:
"البصير" رآهم وسيجازيهم.
يا من تظن أن عملك الصغير يضيع:
كل شيء عند "البصير" محفوظ.
أدعو البصير بخشوع:
"يا بصير، تبصر ضعفي، وترى فقري، وتعرف حاجتي، فاغفر لي وارحمني، واهدني وارزقني، واجعلني من عبادك الذين ينظرون إليك بعين الرضا".
فالله "البصير" يحب أن يُراقب في الخفاء، وأن يُطاع في السر، وأن يُعبد كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
سبحان البصير الذي لا تخفى عليه خافية، سبحان من يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، سبحان من بيده خزائن الأبصار، له البصر المطلق والعلم الكامل.