الرحمن: الحنان الذي يسبق السؤال
ما أوسع الأسماء الحسنى مدى، وأعذبها على القلوب وردًا! وأين تكمن الجاذبية في سحر "الرحمن" إلا أنه اسم يصدح بالعطاء قبل أن تستجمع أنفاسك للطلب، ويفيض بالحنان قبل أن تهتز شفتاك بالدعاء.
اسم لم يستحقه إلا هو
فليس "الرحمن" مجرد وصف، بل هو تشريف إلهي للرحمة تكرم به الخالق على خلقه. هو رحمة مطلقة لا تشبهها رحمة، وعطاء متجدد لا ينضب معينه، ونفحات عامة تشمل المؤمن والكافر، البر والفاجر. تأمل مطره يسقي كل الأرض، وشمسه تضيء لكل الخلق، وهوائه يتنفسه كل حي!
الرحمن: الدلالة الأولى على المعرفة
ألم تلحظ أن كل سورة في القرآن تستهل بـ "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ فـ "الرحمن" هنا لما كانت رحمته سابقة وتسع الكل، كانت هي البداية. كأنه سبحانه يخبرنا: "أنا أسمعك وأرحمك قبل أن تبلغني صوتك".
رحمة تحيط من كل جهة
تحدثت مرة مع شيخ جليل عن هذا الاسم، فقال: "أتدري لماذا يقال للمطر رحمة؟ لأن المطر لا يسأل: هل الأرض التي أسقيها صالحة أم طالحة؟ هل أهلها مؤمنون أم كفار؟ هكذا رحمة الرحمن: تهط بلا شرط".
كيف نعيش مع الرحمن؟
يجعلك اسم "الرحمن":
· تطمئن في كل ضيق، فرحمة من هو رحمان السماوات والأرض لا تنقطع.
· تسكن نفسك، فما دمت تعلم أن الرحمة تسبق الغضب، فالأمل يظل مشتعلا.
· تتأدب مع الخلق، فمن تنعم برحمة الرحمن حق عليه أن يرحم من حوله.
مشهد حي من رحمته
تخيل لحظة أن الكون بأسره يشهد لهذه الرحمة: الطير في الجو، والورد في الحديقة، وضحكة الطفل، ولطفة الغريب، وبر الوالدين، وسكينة الليل... كل هذا من جند الرحمن، يرسلها ليقول لك: "أنا معك".
الرحمن… أمل القلوب
اسم الرحمن هو أمل المذنبين، وسلوى المنكسرين، وملجأ الخائفين. من تعلّق قلبه بهذا الاسم، عاش مطمئنًا، عالمًا أن وراء كل قضاء رحمة، ووراء كل تأخير لطفًا، ووراء كل ألم حكمةً من الرحمن
يا من تقرأ هذه السطور: هل تشعر بالحنين إلى من يحبك قبل أن تحبه؟ إلى من يرزقك قبل أن تسأله؟ إلى من يغفر لك قبل أن تستغفره؟
فذاك هو ربك الرحمن.
لا تنس أن رحمته تسعك أنت الآن، وتسع كل من تحب، وتسع حتى من يؤذيك. هي رحمة لا تفترق عنك طرفة عين. فإذا وقفت بين يديه، فقل بثقة الطفل الذي يعرف أن أباه لا يرفض طلبه:
يا رحمن، ارحمني.