بعد أن وسعتْكَ رحمةُ "الرحمن" في كلِّ مكان، يأتي "الرحيم" لِيَخْلُعَ عليكَ حُلَّةَ الاختيار.. لِيَهمسَ في أُذنِ قلبكَ: "لستَ رقمًا في سجلِّ الخلائق، بل أنتَ عندي مُفردٌ باسمكَ، محسوبٌ بِدَمعتكَ، مُراعى في خفقاتِ قلبكَ".
رحمنٌ يملأُ الكون، ورحيمٌ يخصُّكَ وحدكَ
"الرحمن" رحمةٌ عامةٌ كالمطر الذي يُغَطِّي السهلَ والجبلَ، و"الرحيم" رحمةٌ خاصةٌ كالقطرةِ التي تبحثُ عن جذورِ وردةٍ واحدةٍ لتسقيها. الأولى تَصِلُكَ وأنتَ غافلٌ، والثانية تُقبِّلُ جبينكَ عندما تستيقظُ على ألمٍ لا يعرفه أحدٌ سواكَ.
رحمةٌ تنتظرُ خطوتكَ
"الرحمن" أعطاكَ النَّفَسَ وأنتَ لا تُريد، و"الرحيم" ينتظرُ أن ترفعَ كفَّيْكَ لتُفيضَ عليكَ. هو رحمةٌ مُرتبطةٌ بفِعلِكَ، تتجلى حين تُقبِلُ، وتتوهجُ حين تطلبُ، وتُعانِقُكَ حين تتوبُ. يقول سبحانه: "وكان بالمؤمنين رحيماً" – فجعل الرحمةَ هنا وصفًا لعلاقته بمن اختاروا طريقَ الإيمان.
الرحيم: اسمٌ يحملُ جوازَ سفرٍ إلى القرب
كم مرةً قرأتَ في القرآن: "إنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ"؟ إنها رحمةُ القربِ، رحمةُ المُتابَعةِ، رحمةُ مَن لا يكتفي بأن يُعطيكَ، بل يُراقبُ كيفَ تَستقبلُ عطاءهُ، ويُسدِّدُ خطاكَ حينَ تَضِلُّ، ويُعانِقُكَ حينَ ترجعُ.
كيف تُقابلُ رحمةَ "الرحيم"؟
1. بكلمة "أستغفرك" – فإنه رحيمٌ ينتظرُ اعترافَكَ ليُغسلَ قلبكَ.
2. بهمسة "يا رب" – فإنه رحيمٌ يُحبُ أن تثقَ بأن رحمتَه تخصُّكَ.
3. بدمعة الخشوع – فإنه رحيمٌ يُقَدِّرُ أنينَ الخاضعينَ.
4. بالتوكل عليه – فإنه رحيمٌ يُحبُ أن ترمي نفسكَ بينَ يديهِ.
في حياتنا: رحمةٌ تتعاملُ مع تفاصيلنا
هل فكَّرتَ يومًا:
· لماذا تشعرُ بالراحةِ بعد صلاةٍ أدَّيتها بخشوع؟ إنه "الرحيم" يمنحُكَ رحمةَ القبول.
· لماذا تُفتَحُ لكَ أبوابٌ بعد أزمةٍ؟ إنه "الرحيم" يُعطيكَ رحمةَ الفرجِ المُخصَّصةَ لكَ.
· لماذا تهدأُ نفسكَ بعد دعاءٍ خفيٍّ؟ إنه "الرحيم" يُجيبُ النداءَ الخفيَّ.
لحظةٌ من حياة النبي مع "الرحيم"
في أصعب لحظةٍ في غزوةِ أحدٍ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم مُدمَّى الوجه، يقول: "كيف يفلح قومٌ شجُّوا وجه نبيِّهم؟" فينزل قوله تعالى: "لستَ عليهم بمُصيطر، فَذَكِّرْ إنما أنتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ" – إنها رحمةُ "الرحيم" تُخفِّفُ عن حبيبه، وتُذكِّرهُ بأن الهدايةَ بيدِ الرحيمِ، وهوَ الذي يتولى قلوبَ العبادِ.
خاتمة: أنتَ مدعوٌّ إلى رحمةٍ خاصةٍ
إذا كان "الرحمن" يُطمئنُكَ بأنك لستَ ضائعًا في الكون، فإن "الرحيم" يُهمسُ لكَ: "بل أنتَ عندي ثمينٌ، أسمعُ أنينَ قلبكَ، وأعرفُ سرَّ ألمكَ، وأعدُّ دمعاتِكَ".
فلا تتركُ هذه الرحمةَ تنتظرُكَ طويلاً.. ارفعْ كفَّيْكَ الآن، وقلْ:
"يا رحيم، ارحمني برحْمَتِكَ التي تخصُّني وحدي".
إنه سبحانه يحبُ أن يُدعى بهذا الاسم، لأنه يحبُ أن يُشعرَكَ بأنك واحدٌ بينَ الخلق، ولكَ عندَ الخالقِ مكانةٌ لا تُقاسُ بالأعداد.