ما أغنى هذا الاسم عن التعريف! فهو لا يحمل مجرد صفةٍ للملكية، بل يحمل جوهرَ السيادة التي تذوب فيها كلُّ سيادات الدنيا. اسمٌ إذا دخل القلبَ أذابَ منه طمعَ المخلوق، وإذا استقرَّ في النفسِ أورثَها عِزَّةَ التوحيد.
الملك الحقيقي في زمن الملوك الزائفين
في عالمٍ يتباهى فيه البشرُ بألقابِ المُلك والسلطة، يأتي اسم "الملك" ليهدمَ كلَّ تصورٍ ماديٍّ عن المُلك:
· ملوكُ الأرضِ يملكونَ الأجسادَ، وهو يملكُ القلوبَ والأرواحَ.
· هم يسيطرونَ على حدودٍ مرسومةٍ، وهو يسيطرُ على الكونِ من ذرةٍ إلى مجرةٍ.
· ملكهم زائلٌ، وملكه دائمٌ لا يزول.
مظاهرُ مُلكِهِ التي تخطفُ العقول
1. مُلكُ الخلق: "الذي خلق الموتَ والحياةَ ليبلوكم أيكم أحسنُ عملاً" - هو يملكُ رقابَ الخلائقِ جميعاً.
2. مُلكُ الأمر: "ألا له الخلقُ والأمرُ" - فكلُّ أمرٍ في الكون يصدرُ عن قصرِ ملكه.
3. مُلكُ القلوب: "ونقلبُ أفئدتهم وأبصارهم" - حتى أفئدةُ الذين لا يؤمنون به في قبضةِ ملكه.
4. مُلكُ النهاية: "إليهِ يرجعُ الأمرُ جميعاً" - فالمبدأُ والعودةُ إلى ملكوتِه.
كيف نتعامل مع "الملك"؟
تدعونا هذه الصفة إلى:
· الاستغناء عن الخلق: فلماذا تذلُّ نفسَكَ لمخلوقٍ وأنت عبدٌ لملكِ الملوك؟
· الثقة بالقدر: فكلُّ ما يحدثُ في ملكه لا يخرجُ عن حكمتِه.
· الحياء في الطاعة: فأنت في قصرِ ملكٍ عظيمٍ، فكيف تُقصرُ في خدمتِه؟
الملك الذي لا يحتاج إلى حراس
مُلوكُ الدنيا يحتاجونَ إلى حراسٍ يحمونَهم، وهو سبحانه يحمي ملكه بنفسه: "يا أيها الناسُ أنتمُ الفقراءُ إلى اللهِ واللهُ هو الغنيُّ الحميد" - فغِناهُ هو الحارسُ لملكه، وقدرتُه هي السدُّ المنيعُ.
لحظةٌ تاريخيةٌ تذوب فيها المُلكيات
تخيل يومَ القيامة حين يُنادى: "لمن الملك اليوم؟" فلا يجيبُ أحد، ثم يُجيبُ نفسه: "لله الواحد القهار". في هذا اليوم تتهاوى تيجانُ الأرضِ، وتتطايرُ صولجانُ السلطةِ، ولا يبقى إلا ملكُ الملوكِ وحده.
الملك وملكوتُه في قلب المؤمن
عندما يستقرُّ اسمُ "الملك" في قلب العبد:
· يصغرُ في عينيه مُلكُ كسرى وقيصر.
· لا يرهبُ ظلمَ الظالمين، فاليدُ التي تظلمه في يدِ الملك.
· يعلمُ أن الدنيا كلَّها لا تساوي عند الله جناحَ بعوضةٍ، فيزهدُ فيها.
· يُكثرُ من قول: "ملكِ الملك" في دعائِه، متذكراً عظمةَ من يدعوه.
خاتمة: أنت في بلاطِ ملكٍ كريم
فيا من تشعرُ بالذلِّ أمامَ بشرٍ مثلك، أو بالخوفِ من جبارٍ من الظالمين:
تذكر أنك عبدٌ لملكٍ هو أقوى من كلِّ قويٍ، وأغنى من كلِّ غنيٍ، وأعزُّ من كلِّ عزيزٍ.
ادخل على ملك الملوك بقلبٍ خاشع، وقل:
"يا ملك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين".
فهو لا يردُّ عبداً وقفَ ببابِ ملكه، ولا يخيبُ أملاً تعلقَ بجنابِ عزته. ملكٌ يُعطي قبلَ أن يُسأل، ويغفرُ قبلَ أن يستغفرَ العبد، وهو مع هذا كله يحبُّ أن يدعوه عبده باسم الملك، ليتذكرَ العبدُ جلالَ من يدعوه، فيذلُّ بين يديه، ويخضعَ لعظمته، فتستجابُ دعوتُه.